الأحد، مارس 6

سيد حجاب: ثورة 30 يونيو أسقطت مخطط إسرائيل وتركيا لتقسيم الدول العربية


حوار ــ أحمد الشوكى
الشاعر سيد حجاب كان من بين قليلين تنبأوا بثورة 25 يناير ومدها الطبيعى فى 30 يونية، تجسد ذلك فى ديوانه �قبل الطوفان الجارى�.
يحمل �حجاب� أكثر من مسئولية بوصفه رئيس جمعية المؤلفين والملحنين والناشرين، وتحمله مسئوليته الثقافية مسئولية أكبر للتفسير والإشارة إلى مواضع الخلل فى الثقافة المصرية، وإلى رأب الصدع بمواضع الرصاص فى السياسة التى ألقت ظلال دمها الثقيل على كل مشارب الحياة، فى هذا الحوار يتحدث حجاب عن كل هذا لـ�الوفد�: سألته:
> أين الصورة الغنائية �كلنا بنكمل بعض� التى كتبتها وغنتها المجموعة من ألحان حلمى بكر، هل تجاوزها الواقع العربى المرير؟
- بالفعل �كلنا بنكمل بعض� هى حلم منذ فترة طويلة، ولم يتحقق الحلم لأن الأنظمة العربية تعانى أخطاراً تهددها من الخارج، ولا حياة لها إلا بحلم عربى مشترك يعبر عن نفسه فى السياسة والثقافة والفنون، فهذا العمل كان ابن الظرف التاريخى، وحاولنا من خلاله القبض على حلمنا بالتكامل، وبعدها للأسف انفرط العقد العربى، وأظن أنه آن الأوان لاستعادة هذه الفكرة المبدئية الضرورية للبقاء والتقدم، خاصة الآن، ومنطقتنا يعاد النظر فى خريطتها الجغرافية، ورأيى الخاص أن الشعوب العربية والدول الوطنية فى المنطقة قد أفشلت المشروع الاستعمارى الصهيونى الوهابى لتفتيت المنطقة، والعقد القادم سيشهد تصاعداً جديداً فى المد الشعبى العربى.
> بصفتك رئيساً لجمعية المؤلفين والملحنين.. لماذا لا يحصل المبدعون على حقهم مثل أمثالهم فى الغرب؟
- مفهوم الملكية الفكرية لم يكن مفهوماً بما يكفى عند العرب، وفى الوقت الذى كانت مصر بقواها الناعمة تمارس تأثيرها على العالم العربى، كانت الدول نفسها هى التى تعتدى على حقوق مبدعيها لحساب المنتجين، سواء كانوا أجهزة دولة أو مؤسسات خاصة، وربما كان لمصر دور السبق فى تأسيس حقوق الملكية الفكرية والأدبية من خلال الجمعية منذ عام 1954 حتى الآن، وإذا افترضنا أن للمبدعين حقوقاً تساوى مائة فى المائة عند المجتمع، فهو لا يؤدى من هذه الحقوق للمبدعين أكثر من خمسة فى المائة، فمثلاً حقوق المؤلف والملحن عند اتحاد الإذاعة والتليفزيون محكومة ببروتوكول يعطى للمبدعين رقماً ثابتاً منذ الثمانينات، أيام لم يكن موجوداً سوى الإذاعة ومحطتين تليفزيون، ونحن الآن بصدد تغيير هذا البروتوكول وضبط الحصيلة، وكذا بالنسبة للمحطات التليفزيونية والإذاعية والمحال العامة، فنحن بصدد إعادة هيكلة النظام الإدارى والوظيفى، وتحديث قاعدة البيانات، ونعيد النظر فى البروتوكول المعقود بين الجمعية فى مصر وباريس التى تنوب عنا فى تحصيل حقوقنا خارج مصر، بالإضافة للعديد من المشروعات التى تدرسها الآن الجمعية مع الوزارات المعنية لزيادة التحصيلات، لأن الجمعية مسئولة عن حوالى 1200 عضو من الأحياء وورثة الراحلين، ولدينا التزامات كثيرة إزاء الأعضاء لن نستطيع الوفاء بها إلا بزيادة التحصيلات عن حقوق المبدعين، ودار الأوبرا والأندية جميعها دون استثناء لم يكونوا يؤدون حقوق المؤلفين والملحنين وهم يستخدمون مصنفاتهم الفنية فى حفلاتها، فلابد من إعادة النظر بين المبدعين والمجتمع بشكل صحيح خاصة بعد أن ناضلت الجمعية من أجل إقرار نص دستورى فى دستور عام 2013 ينبغى تفعيله بقوانين تحفظ للمبدع حقه.
> لماذا كان توقيت ظهور أغانى �المهرجانات� فى أعقاب ثورة 25 يناير؟
- أعتقد أن ثورة 25 يناير بقدر ما كانت ثورة سياسية أعلنت عن مبادئها، أعلنت كذلك عن ضرورة الثورة الثقافية حين أسقطت منظومة القيم فى عصر التبعية والفساد، وطردت رموزها من ميادين التحرير المختلفة، وفجرت طاقة الابتكار عند الشعب المصرى كله، وقد ظهر هذا جلياً فى �الجرافيتى� ورسم الوجوه واللافتات، ومشاهد مسرحية مرتجلة تنتمى للمسرح الحرة كمشهد صرف العفريت أو المحاكمة الشعبية، وصعد على منصات التحرير المختلفة شعراء ومغنون يعتمدون فكراً إبداعياً جديداً، واستدعوا من رصيد الماضى الجميل ما رأوه زاداً روحياً لهم كأغنيات الشيخ إمام، وبليغ حمدى ولكن كما سرقت أحلامنا السياسية والاجتماعية مرة مع الإخوان، ثم بعد أن استرددناها يحاول البعض من جديد سرقتها، ويبدو هذا واضحاً فى المشهد الإعلامى، والمشهد الغنائى بالتحديد، إن من ينتج الغناء الآن هم أبناء الماضى، وأبناء فكر المصالح الخاصة من القائمين على أمر المحطات فلا يزال يدار المشهد الغنائى بنفس العقلية، عقلية الحشد وراء الحاكم، والتغنى بمآثره، وإلى جوارهم منتجو تحت السلم الذين يرعون أغانى المهرجانات والميكروباصات دون رقابة مجتمعية، أنا لا أدعو لرقابة الدولة أو الأجهزة التنفيذية على الإبداع، ولكننى أدعو لنوع من الضبط المجتمعى لهذا المنتج الغنائى المتردى، رقابة تمثل أهل الفن والفكر والنقابات الفنية المسئولة عن الارتقاء بمستوى التذوق عند أهل �الكار� وعند المتلقين أيضاً.
> أليس من دور لجمعية المؤلفين والملحنين فى إصلاح الغناء؟
- لدينا فى الجمعية مشروع ندرسه مع وزارة التخطيط ووزارة الثقافة للنهوض بالأغنية ومعنا اتحاد الإذاعة والتليفزيون ويكون مشروعاً كبيراً له ميزانية كبيرة.
> كيف ترى حالتنا السياسية الآن؟
- بشكل عام نحن فى حاجة لإعادة صياغة حياتنا بالكامل فى كل المؤسسات التعليمية والثقافية وما شابه، وقد نبهتنا ثورة 25 يناير وموجتها الأقوى فى 30 يونية أن الواقع تجاوز الأيديولوجيات والطبقات، وأن الأداة التى كانت صالحة فى عصر الصناعة لتداول السلطة التى هى الأحزاب لم تعد قادرة على التغيير المجتمعى كما نرجوه، خاصة أن كل الملفات المطروحة للتغيير تتجاوز الفكر الطبقى والأيديولوجى، كما فى الطاقة والتعليم والصناعة والزراعة والثقافة، وفى العالم الحديث تنحو الديمقراطيات القديمة إلى ابتكار أداة تراقب التمثيل النيابى من خلال نوع من الديمقراطية المباشرة تمثلها منظمات المجتمع المدنى، وأعتقد أن النموذج الذى طرحته الثورة عندنا فى ميادين التحرير والتمرد المختلفة كانت تجاوزاً لديمقراطية التمثيل النيابى بالديمقراطية المباشرة ممثلة فى الحشد الجماهيرى غير المسبوق، وأتصور التغيير القادم لن يكون من خلال التشكيلات الحزبية التى شاهدناها جميعاً كيف تصنع لخدمة رأس المال أو السلطة التنفيذية، نحن الآن بحاجة إلى مبادرات مجتمعية فى كل مجالات حياتنا مثل مبادرة الحق فى الصحة ومبادرة ربات البيوت لمراقبة الأسعار، ومبادرة من الآباء لتطوير وتغيير السياسات التعليمية التى تقدم الآن خدمة من الدرجة الأولى لأبناء الأغنياء تؤهلهم لأعلى المناصب والرواتب،� بينما تقدم للجماهير الشعبية ما لا يؤهل أبناءهم إلا للبطالة، وأعتقد أن سبيل التغيير الذى رسمه الدستور بما يؤكد عليه من حقوق اجتماعية واقتصادية ومن الحرص على الحريات العامة والخاصة هو سبيلنا الحقيقى للتغيير، وعلى الشعب من خلال المبادرات المجتمعية المختلفة أن يضغط على السلطة التشريعية لتحويل هذا الدستور لقوانين فاعلة.
> ألا ترى أن أيادى الفساد لا تزال باطشة؟
- السمكة تفسد من رأسها، ومن الواضح أنه لا يمكن التقدم والتغيير من خلال نفس الأدوات المتهالكة وغير الكفاءة، فينبغى إعادة النظر فى كل أجهزة الدولة بدءاً من الجهاز البيروقراطى إلى الجهاز الأمنى، نحن فى حاجة لدولة تخدم شعبها لا لدولة تشكم شعبها، وبغير الثورة الإدارية لن تتقدم مصر، ولا تزال القوة الرافضة لهذه الثورة الإدارية متمركزة فى هذه الدولة الفاشلة.
> هل لو كتبت �تتر� ليالى الحلمية الآن من جديد.. هل سيكون لعشوائية حياتنا أثر عليه؟
- كنت واحداً من فصيل الدراما التليفزيونية تربى فى إطار حلم عربى، وشاهد انحسار هذا الحلم، فوقف مدافعاً عنه فى مواجهة دراما تليفزيونية أخرى، كانت تهدف للتسلية من خلال الكوميديا التى أغلبها دون المستوى، الفصيل الذى انتميت إليه كان على رأسه مزيج من إبراهيم الصحن ومحفوظ عبدالرحمن ثم بعد ذلك أسامة أنور عكاشة ومن تلاه من المؤلفين الجادين، ومن المخرجين أمثال محمد فاضل وإنعام محمد على ويحيى العلمى وإسماعيل عبدالحافظ، كانت كل إبداعاتنا أننا نقدم المتعة ومن خلالها تقدم التنوير، جاء بعد ذلك زمان سادت العشوائية كل حياتنا، والعشوائية ليست فقط عشوائية الفقراء المهمشين وأحيائهم، الأبشع والأفظع كانت عشوائيات الأغنياء التى خصخصت الساحل الشمالى وأهدرت عشرات المليارات لتعميره، كانت تكفى لإعادة تعمير الريف المصرى، وإلى جوارها عشوائية الفكر الاقتصادى الذى حوّل مصر من بلد منتج زراعى وصناعى إلى اقتصادى ريعى يعتمد على إيرادات القناة وتحويلات المصريين من الخارج والسياحة، بعد تجريف الزراعة والصناعة المصرية، ومازال هذا المنتج العشوائى سائداً فى حياتنا، وكان واضحاً هذا فى الدعاية السخيفة لجهاز كفتة الإيدز، وفى المؤتمر الاقتصادى الذى تصدرته وجوه �النيوليبرالية� التى ارتضت نفسها دور الوكيل للص الأجنبى، وكان واضحاً أيضاً فى الدعاية الاستعراضية لكثير من المشروعات، علينا أن نعلم أن بمصر مئات المراكز البحثية التابعة لأكاديمية البحث العلمى وللمراكز القومية المتخصصة سابقاً، ولدى هذه المراكز درسات حول كل مشاكلنا من زراعة وطاقة وتعليم وماء، لكن القرارات الكبرى تؤخذ بمعزل عن هذه الدراسات اعتماداً على أهل الثقة لأعلى أهل الكفاءة، والمثال الفادح عن هذا ذلك المشروع السخيف لعاصمة إدارية جديدة لمصر بالمخالفة للدستور، وبالتجاهل لدراسات تخطيط القاهرة الكبرى عبر أربعين سنة، وقدتم إعداد الماكيت لهذا المشروع قبيل المؤتمر الاقتصادى بأسبوعين، وتأسست الشركة التى أسند إليها إقامة هذا المشروع قبلها بأسبوع واحد، إننا لن نستطيع العبور إلى المستقبل بهذا الفكر العشوائى الذى يدير ظهره للعلم والتخطيط من أجل أصحاب المصالح الخاصة، أو من أجل أصحاب الكفاءات المحدودة، وفى غياب رؤية سياسية واضحة لما تريده مصر، فماذا أسفر عن المؤتمر الاقتصادى الأخير.. لا شىء.
> أليس كثير من المشاكل الحالية أدخلنا فيها عبدالناصر؟
- الثورة المضادة ضد جمال عبدالناصر بدأت عام 1965 فى مؤتمر المديرين الذى تقرر فيه أن يكون المسئول الإدارى فى الوحدة هو مسئولها السياسى، ومن ثم تحللت المراقبة، وبدأ تفشى الفساد الإدارى وبالنسبة للحروب التى دخل فيها، هو قد سيق إليها بفعل من حوله، وبفعل قوى استعمارية.
> كيف ترى مستقبل الجماعات الإسلامية فى مصر بعد أن كشفت؟
- كل فكر الفاشية الاستبدادية يتم تحت اسم الدين وهو منها براء، يستوى فى ذلك الإخوان وحلفاؤهم جميعاً، وقد هزم فكرهم، وأثبتوا تخلفهم عن الحياة، وعن أحلام الشعب المصرى، ولا ننسى الفخ الذين نصبوه فى دستورهم ليخلط ما بين الدين والسياسة وليحول مصر من بلد إسلامى إلى بلد سنى تمهيداً لتنخرط فى الصراع المرجو للاستعماريين بين السنة والشيعة، فقد ثبت أن جماعة الإخوان المسلمين إرهابية، واستخدمت السلاح ضد المجتمع المصرى، ومازلنا نذكر رفضها تحية العلم المصرى والوقوف للسلام الوطنى، لأنهم ضد الوطنية المصرية.
> بماذا تفسر الهجوم الذى مازال مستمراً من تركيا على مصر؟
- إن ثورة 30 يولية أسقطت أقنعة كثيرة من بينها الحلم العثمانى الذى يعيد لها المنطقة العربية من جديد فى أحضانها حتى يقدموها للغرب وللاتحاد الأوروبى، فالأتراك وعدوا الأوروبيين أن يعطوا ثمرة نفوذهم فى مصر بالسماح لهم بالدخول للسوق الأوروبية ونحن قد أوقفنا هذا المشروع وأسقطنا حلم �أردوغان� الحليف للناتو الذى يلعب دوراً مهماً فى لعبة الشرق الأوسط الجديد والتقسيم لضمان أمن إسرائيل، فهذه الثورة أسقطت مشاريع كثيرة كانت تدبر لها منها التقسيم، وتكوين مجموعة ولايات عرقية ودينية ومذهبية تحيط بإسرائيل وتمنحها الغطاء الأخلاقى لوجود دولة يهودية.
> ما مستقبل شعر المقاومة؟
- الشعر فى مصر دخل خندق المقاومة منذ التطبيع مع الكيان الصهيونى، بدأها بقصيدة لا تصالح لأمل دنقل وتواصلت بعد ذلك إبداعات المثقفين المعارضين فى إبداعات عديدة، وهو ما صب فى النهاية لصالح ثورة 25 يناير، وقد أصدرت عام 2009 ديوانى قبل الطوفان الجارى وكان سباحة ضد التيار الغالب فى هذا التوقيت، وكان الديوان بشارة لما حققه الشعب فى ثورة 25 يناير ومن ثم فى 30 يوليو وأظن أن الشعب المصرى الذى قام بثورتين مجيدتين أرسى دعائم ثقافة جديدة تقوم على العقل والحرية والمواطنة والعدل الاجتماعى واحترام حقوق الإنسان.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق