الأحد، مارس 6

وزراء الزراعة.. أيامهم معدودة

تحقيق: مجدي سلامة


في شتاء 1913 كان الميلاد.. خرجت إلى الدنيا أول وزارة للزراعة، أو �نظارة الزراعة�، كما أطلقوا عليها وقتها، حيث لم يكن اسم �وزارة� مستخدما في ذلك العصر الذي كانت فيه مصر ولاية عثمانية تحت الاحتلال الإنجليزي.
وعلى مدى 103 أعوام توالى الجلوس على عرش الزراعة 80 وزيرًا، وهكذا يكون متوسط عمر منصب الوزير 16 شهرا فقط، وهو ما يعني أنه �مبيعيشي في مصر وزراء زراعة�!..
واحتل الوزير �يوسف والي� (1982- 2004) قمة الوزراء الأطول عمرا في الوزارة، مسجلا 22 سنة كوزير زراعة، بينما كان أقل الوزراء عمرا في منصبه، هو أحمد مدحت يكن باشا الذي لم يظل في منصبه سوى 96 ساعة فقط (19/4/1919- 23/4/ 1919)!
والمثير أن 2 % من إجمالي وزراء الزراعة متهمون حاليا في قضايا فساد مالى وأخلاقي، وإهدار المال العام.. حيث يحاكم يوسف والي في محكمة الجنايات بتهمة إهدار المال العام في بيع المحمية الطبيعية جريرة �البياضية� بأبخس الأسعار إلى رجل الأعمال حسين سالم، كما يحاكم وزير الزراعة الأسبق صلاح هلال بتهمة تلقي رشاوي نقدية وملابس وموبايلات !
والمثير أن الموقع الرسمي لوزارة الزراعة لا يزال يضع اسم الوزير السابق صلاح هلال كوزير للزراعة، وبدأ الموقع وكأن �هلال� لا يزال يدير الوزارة من محبسه، وكأن الموقع الرسمي للوزارة لايعترف بالوزير الحالى عصام فايد!
وزراء 5 فئات
وعلى مدى تاريخهم ينتمي وزراء الزراعة إلى 5 فئات مختلفة.. �الباشوات� و�البكوات� و�القانونجية� دارسي القانون و�المهندسين الزراعيين� و�الدكاترة�..
وكان الباشا �محمد محب� أول الجالسين على عرش الوزارة قبل 40 يوما من نهاية عام 1913، ولكنه لم يبق في منصبه سوي 184 يوما فقط، وبعدها ترك منصبه في أبريل 1914 ليتولى وزارة الأوقاف!
أول معركة
والمثير للانتباه أن مشاكل الزراعة منذ وزارتها الأولى لا تزال هي نفسها ذات المشاكل التي تعاني منها الزراعة حاليا، وهو ما يعكس فشل الوزراء في إنهاء أزمات الزراعة طوال ما يزيد على قرن من الزمان!
�ففي عهد أول وزير للزراعة كانت المعركة الرئيسية للوزارة هي مواجهة أزمة مياه الري، ووقتها اجتمع الوزير مع كبار المزارعين في جميع المديريات، واتفق الجميع على تطبيق نظام الري بالتناوب بين مناطق مصر، وتم تقسيم الوجه البحري إلي ثلاث مناطق، تروى بالتناوب وذلك لضمان توزيع كمية المياه على الأراضي بالعدل والإنصاف - كما جاء في محضر الاجتماع - على أن تكون الأولى في فبراير والثانية فى مارس والثالثة في أبريل وتم تحديد عقوبة للمخالفين بالحبس والغرامة حسب قانون الترع الصادر في 12/2/1894
وإذا كان أول وزير للزراعة قد واجه أزمة مياه الري بفكرة �تناوب الري� فإن ذات الأزمة لا تزال مستمرة حتى الآن، وتجاهلتها الوزارة وتركت لكل فلاح حرية مواجهة الأزمة بطريقته الخاصة، ولهذا لجأ الكثيرون إلى الري بمياه الصرف الزراعي والصرف الصحي، فيما راح آخرون يروون أراضيهم في دلتا مصر بحفر آبار ارتوازية تسحب المياه الجوفية لري الزراعات المختلفة!
أزمة مستمرة
المعركة الثانية لوزراء الزراعة الأوائل كانت هي زراعة القطن.. ففى 6/4/1914 وعقب وفاة السلطان حسين كامل استقالت الوزارة، وفي الوزارة الجديدة تولي �محب باشا� حقيبة الأوقاف، وخلفه في الزراعة باشا آخر وهو إسماعيل صدقي باشا، الذي ظل في منصبه لمدة 8 شهور و4 أيام، وطوال هذه الفترة اهتمت الوزارة بزراعة القطن فبحثت عن الطرق المثلى لرى القطن، واهتمت بشكل خاص ببذور القطن وتحملت الحكومة على عاتقها بيع بذرة القطن للمزارعين وإمهالهم وقتاً فى دفع الثمن إلى أوان جنى المحصول، وذلك لتحفيز الفلاحين على عدم شراء بذور القطن من التجار المتجولين.
وتواصلت معركة القطن في عهد الوزير الثالث للزراعة أحمد حلمي باشا، الذي أصدر قرارات تكليف لأحد رجال البوليس بمرافقة موظفي الوزارة أثناء مرورهم على المزارع القطنية لتسهيل ضبط المخالفات، كما منع الأولاد من جمع اللوز المتساقط من الشجر وفتحة وبيع ما به من اللوزات بدلا عن إعدامه كما نص القرار رقم 17 لسنه 1916.
الأقصر عمراً
وإذا كان الوزير أحمد مدحت يكن باشا أقل وزراء الزراعة بقاء في منصبه، حيث شغل المنصب لمدة 96 ساعة فقط، ففي 19 - 04 - 1919 تولى الوزارة وفي يوم 22 - 04 - 1919، استقالت وزارة حسين رشدي، فترك �يكن� منصبه بعد 4 ايام فقط من توليه!.. إلا أن أغلب وزراء الزراعة عموما كانوا من فئة �قصيري العمر الوزاري، سواء كانوا من الوزراء الأوائل أو المحدثين�.
ففي بدايات عهد وزراة الزراعة تولى الوزارة عبد الرحيم صبرى باشا لمدة 8 شهور خلفه محمد شفيق باشا كوزير لمدة 4 شهور، ويوسف سليمان باشا وزيرا لمدة 10 شهور، ونجيب بطرس غالى باشا لمدة 9 شهور
ومحمد شكري باشا لمدة 8 شهور، وأحمد على باشا لمدة 50 يوما، وفوزى جورجى المطيعى باشا لمدة 11 شهرا، ومحمد فتح الله بركات باشا لمدة 9 شهور، وأحمد مظلوم باشا لمدة 37 يوما ومحمد السيد ابو على باشا لمدة 103 أيام وتوفيق دوس باشا لمدة 6 شهور ونخلة المطيعى باشا لمدة 8 شهور ومحمد صفوت باشا وزيرا لمدة 100 يوم ومن جديد عاد نخلة جورجى المطيعى باشا من جديد ليتولى وزارة الزراعة لمدة 16 شهرا.
�ووصل عدد وزراء الزراعة خلال عقد العشرينيات إلى 15 وزيراً، وفي الثلاثينيات انخفض العدد إلى 13 وزيراً، وواصل العدد انخفاضه في الأربعينيات ليصل إلى 12 وزيراً فقط، ثم عاد عدد الوزراء إلى الارتفاع في الخمسينيات ليصل إلى 13 وزيرا، وسجلت الستينيات تراجعا كبيرا في عدد وزراء الزراعة، حيث تولى وزارة الزراعة طوال الستينيات 5 وزراء فقط، ولكن العدد ارتفع مرة أخري في السبعينيات التي تولى خلالها 8 وزراء وزارة الزراعة، وكان الرقم القياسي في الثمانينيات التي تولى خلالها وزيران فقط وزارة الزراعة، وكان آخرهما الوزير يوسف والي الذي ظل في منصبة 22 عاما كاملا فلم يغادر الوزارة إلا في عام 2004، والمثير أن المنصب الوزاري ظل خاليا بعد �والي� لمدة عام والنصف من 13/7/ 2004 حتى 31/12/ 2005، وعندها تم تعيين أمين أباظة وزيرا للزراعة!.
�وتواصلت ظاهرة �قصيري العمر الوزاري� في وزارة الزراعة بعد ثورة يناير حيث توالى على وزارة الزراعة 11 وزيرا في 5 سنوات فقط!
أصحاب الإنجازات
�ورغم كثرة عدد وزراء الزراعة إلا أن أغلبهم لم يكن لهم بصمات تذكر على الزراعة أو على الفلاحين ، فيما كان عدد محدود منهم فقط صاحب إنجازات واضحة، وجاء في مقدمة هؤلاء القطب الوفدي فؤاد سراج الدين باشا الذي تولى وزارة الزراعة خلال الفترة من 31 - 3 - 1942 حتى 2 - 6 – 1943 في عهد حكومة الوفد، ثم عاد وتولى الوزارة مرة ثانية في مايو 1944 وخلال توليه الوزارة، دعم �سراج الدين� سياسة اللامركزية الزراعية و نقل رسالة وزارة الزراعة وإرشاداتها ونصائحها من مقر مبني الوزارة إلى مقار المزارعين فأراحهم من مشقة الحضور إلى القاهرة، وأصلح الكادر الوظيفي للعاملين بوزارة الزراعة و كسر احتكار إنجلترا للقطن المصري وكانت انجلترا تحتكر القطن المصري من 1939 إلى 1942.
ومن وزراء الإنجازات أيضا الوزير الفونس جريس الذي صاغ مشروع قانون تحديد الملكية قانونا وقرر ترك البت فيه للوزارة الجديدة فى 8/9/1952
�أما الدكتور عبد الرازق صدقى الذي تولى الوزارة في نهاية 1952 واستمر لأكثر من 5 سنوات فكان أول من وضع خطة خمسية للزراعة في مصر، وكان من نتيجتها تحسين زراعات القطن والتوسع في بناء الجمعيات الزراعية، واستنباط تقاوي قمح جديدة تزيد إنتاجية الفدان 6 أضعاف، كما نجح في جعل محصول الأرز هو محصول التصدير الثاني بعد القطن
والمهندس سيد مرعى الذي تولى الوزارة في نهاية عام 1957 ولمدة عام أخضع تبعية بنك التسليف الزراعي إلى وزارة الزراعة بدلاً عن تبعيته إلى وزارة المالية وبدأ في إقامة بنوك للقرى وكانت البداية في المنوفية والقليوبية وإنشاء ولأول مرة ما سمى باللجان الزراعية، وكان في مقدمتها لجان لمقاومة الآفات ولجان لتحسين التقاوي.
�والمثير أن عمال بنك التسليف يتظاهرون حالياً مطالبين بإعادة بنك التنمية إلى تبعية البنك المركزي!
ويعد الوزير �أحمد المحروقى� أحد أطول وزراء الزراعة بقاءً في منصبه، حيث ظل وزيراً لما يقرب من 5 سنوات.
�وفي عهده هاجم الجراد الأحمر مصر فتولت الوزارة التصدي له، واستغلوا أطنان الجراد التي صارعتها فرق المقاومة فى صناعة السماد العضوي لزراعة المناطق التي غزاها الجراد كما شهدت الوزارة إجراء أول تجربه فى زيادة الإنتاجية لمحصول الذرة ببلدة الشهداء بالمنوفية.
ويسجل التاريخ للوزير �شفيق على الخشن� (25 - 3 - 1964 إلى 20 - 6 - 1967) إلغاء زراعة القطن �الكرنك� بسبب تدهور إنتاجيته إلى 3.5 قنطار للفدان, فتم زراعة أنواع جديدة من القطن انتحت 6.5 قنطار للفدان.
ولأول مرة قررت الوزارة أن يتم زرع الذرة في شهر مايو وليس في أغسطس وذلك نتيجة أن السد العالى بدأ في تخزين المياه، وكان المزارع يحصد القمح ثم البرسيم ويترك الأرض بوراً حتى تأتى مياه الفيضان في أغسطس، وذلك لوفير المياه للقطن وحتى تخزن المياه للقطن كنا نمنع زراعة الذرة إلا في شهر أغسطس
ويحسب للوزير مصطفى الجبلى (18 - 1 - 1972 إلى 27 - 3 - 1973) أنه صاحب أول محاولة لحل مشكلة مديونيات المزارعين التي كانت قد بدأت في أوائل الستينيات فبلغت 10 ملايين ووصلت عام 1972 إلى 88 مليون جنيه, وكانت نسبة السداد ضئيلة جداً، مما أوجد شعورا لدى المزارعين بأن المحصول الناتج ليس محصولهم، وإنما محصول الحكومة لأنه بمجرد نضجه تقوم الحكومة بحجز إدارى على المحصول وفاء للدين وعندما تمت مراجعة هذه المشكلة أسقط الوزير ديون من يملكون أقل من 5 أفدنة وكانت قيمتها وقتها حوالي 48 مليون جنيه.
وكان الدكتور مصطفى الجبلي يظهر كل يوم في التليفزيون لمدة خمس دقائق يتم خلالها شرح سياسته الزراعية.
وتوسعت الوزارة في عهد الوزير محمد محب زكى (27 - 3 - 1973 إلى 24 - 9 - 1974) فى زراعة القمح المكسيكي كما تم إنشاء المجلس الأعلى للإرشاد الزراعي.. وكان ذات الوزير أول من استخدم الطائرات في رش دودة القطن لأول مرة فى العالم.
وكان الوزير عثمان عدلى بدران (13 - 4 - 1975 إلى 20 - 3 - 1976) أول من حارب تجريف الأراضي التي وصلت إلى تجريف ما يقرب من 50 ألف فدان سنويا، وأول من دعا إلى برنامج المعونة الأمريكية.
وأولى الوزير إبراهيم شكرى (2 - 2 - 1977 إلى 6 - 5 - 1978) اهتماما كبيرا بمعاهد بحوث وزارة الزراعة وبالميكنة الزراعية وبالإرشاد الزراعي، وكان سباقا في استصلاح أراضى زراعية جديدة.
أما أطول وزراء الزراعة يوسف أمين والى (2 - 1 - 1982 إلى 13 - 7 - 2004) فبدأ عهده رافعا شعار من �لا يملك غذاءه لا يملك حريته� وبعد 22 عاما على رأس الوزارة، ترك �والي� منصبه ومصر تستورد 54% من استهلاكها من القمح، و60% من الذرة و80% من الزيوت، وكان النجاح الوحيد الذي حققه هو رفع إنتاجية محاصيل الخضر والفاكهة بنسبة تتراوح ما بين 160- 260%.
وزراء الثورة
وعندما نتأمل مسيرة وزراء ما بعد ثورة يناير فأول ما يلفت الانتباه أنهم لم يمكثوا طويلا في مناصبهم.. فأول وزير زراعة لثوار يوليو 1952 وهو عبدالعزيز عبدالله سالم ( 7-9-1952 حتي 9-12-1952) كان يعمل في وزارة التربية والتعليم وتحديدا في كلية الطب، ثم تولى وزيرا للشئون البلدية والقروية من 24/7/1952 حتى 6/9/1952 قبل أن يتولى وزارة الزراعة، ولم يستمر وزيرا للزراعة سوى 92 يوما فقط!
وعقب ثورة يناير 2011 تولى الدكتور محمد فريد أبوحديد وزارة الزراعة في 3 فبراير 2011، ولم يبق في منصبه سوى 5 شهور و9 أيام وعقب ثورة 30 يونيو عاد �أبو حديد� لتولى وزارة الزراعة للمرة الثانية وبقي هذه المرة لمدة عام واحد فقط!
سياسة.. ومؤامرة
وأرجع وزير الزراعة الأسبق صلاح الدين يوسف كثرة التغيرات في وزراء الزراعة بتغير سياسات الدولة وتغيير رؤساء الوزراء.. وقال �وزراء الزراعة الأكثر تغيرا، لأن الزراعة هي الأكثر تأثرا بالسياسة، وبالتالي فعندما تغير الدولة سياستها الاقتصادية، فإن أول من يتم تغييره هو وزير الزراعة، وأيضا عندما يتم تغيير رئيس الحكومة فإن رئيس الوزراء الجديد يسارع باختيار وزير جديد للزراعة�.
وأضاف صلاح يوسف للوفد �كثرة تغيير وزراء الزراعة لا تعطي فرصة لكل وزير لكي يطبق أفكاره وسياساته، خاصة أنه إذا كان وزير الزراعة من أبناء الجامعة فإنه يحتاج على الأقل 3 شهور لكي يلم بتفاصيل العمل داخل الوزارة، أما لو كان من أبناء الوزارة فإنه يحتاج لأسابيع لكي يتولى المهمة باقتدار، ولكن أغلب وزراء الزراعة تم تغييرهم خلال فترة وجيزة، وبالتالي لم يتمكنوا من تنفيذ سياساتهم�.
ولا يستبعد الدكتور نادر نورالدين أستاذ الأراضي والمياة بكلية الزراعة جامعة القاهرة أن يكون كثرة تغيير وزراء الزراعة نوعا من المؤامرة.. وقال �لا أستبعد أن تكون الزراعة المصرية مستهدفة، وهذا الاستهداف يتم من خلال كثرة تغيير وزراء الزراعة�.
وأضاف �هل من المعقول أن يتولى وزارة الزراعة 11 وزيرا منذ ثورة يناير حتى الآن أي خلال 5 سنوات فقط؟!.. وهل من المعقول أن رئيس الوزراء يختار وزير زراعة وبعد أسابيع يغيره بوزير آخر وهو ما يعد اعترافا منه بأن اختياره كان خاطئا، ثم يغير الوزير الثاني بعد شهور قليلة أخري ويختار وزيراً ثالثاً؟!�، وهكذا يغلب على المكان عدم الاستقرار.
وواصل �الزراعة في مصر هي قاطرة التنمية لو أحسن استغلالها، فالبرازيل بنت نهضتها الاقتصادية الحالية بالاهتمام بالزراعة، ومصر يمكنها لو أحسنت إدارة أراضيها الزراعية خلال عام واحد، أن تحقق اكتفاء ذاتيا من القمح والذرة والسكر والفول والعدس وفول الصويا والزيوت، وتوفير 10 مليارات دولار تستورد بها سنويا هذه المنتجات سنويا، ولكن يبدو أن في مصر مسئولين لا يريدون أن نحقق اكتفاء ذاتيا من المنتجات الزراعية لنستمر على الدوام نستورد غذاءنا من الخارج�.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق